تلعب الشركات الناشئة دورًا حيويًا في تعزيز الاقتصاد المصري من خلال تقديم حلول مبتكرة وخلق فرص عمل جديدة. وقد أدركت البنوك والمؤسسات المالية أهمية دعم هذه الشركات لتشجيع ريادة الأعمال وتعزيز النمو الاقتصادي ، وقد قام البنك المركزي المصري خلال الفترات السابقة بإطلاق عدة مبادرات لدعم الشركات الناشئة من أبرزها مبادرة “فنتك إيجيبت” التي تهدف إلى تشجيع الشركات الناشئة على تطوير وتنفيذ تطبيقاتها المالية المبتكرة في مختلف المحافظات.
إضافة إلى ذلك أطلقت البنوك المصرية مثل بنوك ( الأهلي المصري و مصر و القاهرة ) بالتعاون مع مؤسسات مالية أخرى صندوقًا بقيمة 1.5 مليار جنيه مصري بما يعادل حوالي 31.5 مليون دولار للاستثمار في الشركات الصغيرة والمتوسطة، مع التركيز على قطاع التكنولوجيا المالية.
وقد كان لشركات التمويل دوراً كبيراً في تقديم الدعم المالي للشركات الناشئة منها شركة “MNT-Halan” المصرية المتخصصة في التمويل متناهي الصغر والمدفوعات الإلكترونية، و التي قامت بالاستحواذ على شركة “Tam Finans” التركية، مما ساعدها على توسيع خدماتها في مجال الائتمان الاستهلاكي والتأجير التمويلي.
و شهدت مصر نموًا ملحوظًا في تمويل الشركات الناشئة خلال السنوات الأخيرة. في عام 2022 حيث جمعت الشركات الناشئة المصرية تمويلات بقيمة 517 مليون دولار من خلال 160 صفقة، مما جعل مصر تحتل المرتبة الثالثة في منطقة الشرق الأوسط بعد الإمارات و المملكة العربية السعودية في هذا المجال .
و رغم ذلك ففي النصف الأول من عام 2024 شهدت أكبر نسبة تراجع في التمويل بإنخفاض بلغت نسبته 81% في حجم تمويل الشركات الناشئة في الشرق الأوسط بحوالي 880 مليون دولار، مسجلًا تراجعًا بنسبة 45% على أساس سنوي.
و فيما يلي رسم بياني يوضح تطور حجم التمويل الذي حصلت عليه الشركات الناشئة في مصر خلال السنوات الأخيرة:
وعلى الرغم من الجهود المبذولة لدعم الشركات الناشئة، إلا أن هناك بعض التحديات التي تواجهها مثل:
صعوبة الحصول على التمويل: تواجه بعض الشركات الناشئة صعوبة في الوصول إلى التمويل اللازم بسبب متطلبات الضمانات والإجراءات المعقدة.
التقلبات الاقتصادية: تؤثر التحديات الاقتصادية، مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف، على قدرة الشركات الناشئة على التخطيط والنمو.
مع ذلك، توفر المبادرات الحكومية والدعم المتزايد من البنوك وشركات التمويل فرصًا واعدة للشركات الناشئة للتغلب على هذه التحديات وتحقيق النمو المستدام.
يشهد قطاع الشركات الناشئة في مصر دعمًا متزايدًا من القطاع المصرفي وشركات التمويل، مما يسهم في تعزيز ريادة الأعمال ودفع عجلة النمو الاقتصادي. ومع استمرار هذا الدعم، من المتوقع أن نشهد مزيدًا من النجاحات والابتكارات من قبل هذه الشركات في المستقبل.
ويرجع انخفاض تمويل الشركات الناشئة في 2024 لعدة أسباب بعضها متعلق بالوضع الاقتصادي العالمي، والبعض الآخر مرتبط بالبيئة الاستثمارية في مصر والمنطقة أهمها :
ارتفاع أسعار الفائدة
مع اتجاه البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة للحد من التضخم، أصبح المستثمرون يفضلون الاستثمارات الآمنة مثل السندات والأصول الثابتة بدلًا من المخاطرة بتمويل الشركات الناشئة.
قيام البنك المركزي برفع أسعار الفائدة أكثر من مرة مما جعل التمويل البنكي أيضًا أكثر تكلفة على الشركات الناشئة.
تراجع الاستثمارات الأجنبية
مما جعل المستثمرون الأجانب أصبحوا أكثر تحفظًا بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي والذي أدى إلى انخفاض تدفق رأس المال إلى الشركات الناشئة.
عدم وضوح السياسات الاقتصادية في بعض الفترات جعل المستثمرين ينتظرون قبل ضخ أموال جديدة في السوق المصري.
أزمة سعر الصرف
أثر تذبذب سعر الجنيه المصري أمام الدولار على الشركات الناشئة، خاصة التي تعتمد على استيراد منتجات أو خامات من الخارج.
تردد المستثمرون الاجانب في ضخ أموال في بيئة ذات مخاطر تتعلق بسعر الصرف.
انخفاض ثقة المستثمرين
بعض الشركات الناشئة التي حصلت على تمويل ضخم في 2021 و2022 لم تحقق الأرباح المتوقعة، مما جعل المستثمرين أكثر حذرًا عند اختيار الشركات الجديدة للاستثمار فيها.
ظهور مشاكل في بعض صناديق الاستثمار الجريء (VCs) أدى إلى انخفاض عدد الصفقات الجديدة.
تغير أولويات المستثمرين
المستثمرون أصبحوا يركزون أكثر على الشركات الناشئة التي لديها نمو واضح وربحية، ويقللون من استثماراتهم في الشركات التي تقوم بحرق الكاش بدون تحقيق أرباح.
بعض القطاعات مثل قطاعات التكنولوجيا المالية (Fintech) والتجارة الإلكترونية التي كانت تقوم بجذب تمويلات كبيرة بدأت تواجه منافسة قوية وانخفاض في الطلب.
والسؤال هنا هل هناك أمل للتحسن قريبًا؟
رغم الأزمة الا انه توجد مؤشرات إيجابية كاتجاه الحكومة لدعم الشركات الناشئة من خلال مبادرات جديدة، وزيادة اهتمام الصناديق المحلية بتمويل المشروعات. لكن التحسن سيكون مرتبطا باستقرار سعر الصرف ، وتحسن الوضع الاقتصادي العام بالاضافة إلى زيادة ثقة المستثمرين في السوق المصري.
وهنا نحاول أن نضع حلولاً لدعم الشركات الناشئة في ظل الأزمة الاقتصادية من أهمها :
- العمل على جذب استثمارات جديدة مع تحفيز المستثمرين المحليين:
- إطلاق حوافز ضريبية للمستثمرين اللي بيدعموا الشركات الناشئة.
- تيسير إجراءات الاستثمار والتمويل عن طريق قوانين مرنة.
- تسهيل الحصول على التمويل البنكي .
- إطلاق قروض مخصصة للشركات الناشئة بأسعار فائدة أقل وضمانات مرنة.
- التوسع في برامج تمويل المدعومة حكوميًا كمبادرة البنك المركزي للمشروعات الصغيرة.
- تشجيع البنوك على تقديم تمويلات وفقًا للأداء الفعلي وليس فقط الضمانات التقليدية.
- تسريع إجراءات التراخيص والتسجيل لتقليل البيروقراطية اللي بتعطل الشركات الناشئة.
- إتاحة الوصول لبرامج حاضنات الأعمال والمسرّعات (Incubators & Accelerators) لتوفير دعم فني وتمويلي.
- تعزيز الرقمنة في الجهات الحكومية لتسهيل المعاملات للشركات الناشئة.
- تشجيع الحكومة والمؤسسات الكبرى على التعاقد مع الشركات الناشئة لتنفيذ مشاريعها.
- تقديم إعفاءات ضريبية مؤقتة أو تخفيضات للشركات الناشئة في القطاعات الاستراتيجية.
- تنظيم فعاليات لربط رواد الأعمال بالمستثمرين مثل مؤتمرات التمويل والابتكار.
وأخيراً فإن دعم الشركات الناشئة في مصر يحتاج إلى تعاون بين الحكومة و البنوك والمستثمرين لتوفير تمويلات جديدة و تسهيل بيئة العمل، وتحفيز الاستثمارات المحلية.
بالاضافة الى دور الشركات الناشئة نفسها في التركيز على تحقيق الربحية والاستدامة المالية بدلًا من الاعتماد على التمويل الخارجي فقط.
بقلم/ أحمد العسيلي
مطور وخبير ريادة الاعمال